مازالت قضية التضارب بين الاحكام التي يصدرها قضاة المملكة في القضايا المتشابهه حديث بعض المراقبين ، ومن أكثر العجب ان المحكمة ذاتها تقع في هذا التضارب في الاحكام .. وعزا العدليون ذلك الى عدم وجود تقنين لأحكام القضاء بحيث يكون هو المرجع لكل القضاة.
هذه الايام تنظر المحكمة العامة في المدينة المنورة قضية صارت تعرف بـ "ساحر شهرزاد" حيث صدرت أحكام على ساحر اعترف بجرمه ، لكن محكمة التمييز في مكة المكرمة ترى ان حكم القتل يجب ان يكون بعد أن يرفض التوبة الى الله من مزاولته السحر، وهو ما ترفضه المحكمة العلمة .. الذي اعترف لها بانه ساحر ، وقد ضبطته الهيئة متلبسا بجرمه ، فاصبحت القضية بين أخذ ورد بين المحكمة العامة ومحكمة التمييز وكل طرف مصر على موقفه.
قضية "ساحر شهر زاد" أرجعت بالذاكرة الى قضية "المجاهر بالجنس" على الفضائية اللبنانية التي تشابهها في كون المتهمين اعترفا بجرمهما علنا أمام الملا ممارسة ما نسب اليهما.
"ساحر شهر زاد" والذي يظهر على قناة "شهر زاد" اعترف على قناة الرياضية السعودية بممارسة السحر وتعاونه مع الجن ، مثله مثل "المجاهر بالجنس " اعترف على قناة الال بي سي بما نسب اليه .
فاذا كان المجاهر بالجنس قد صردت احكام عليه بالسجن والجلد والغرامة ومنع السفر ، دون اعتبار لاستتابة ، وهو باعتراف المقربين له نادم على فعله ، ومناشدا الرأفة به ، لكنه أخذ جزاءه ( حكما) ولا اعتراض على ذلك ، فهو يستحق وأكثر.
ولكي نضع القاريء في الصورة ، اليوم الخميس 10/03/2010 م أرودت جريدة "عكاظ " خبرا حول القضية يفيد بأن المحكمة العامة في المدينة المنورة تمسكت بحكم القتل تعزيرا، الذي أصدرته على الساحر العربي علي حسين سباط (46 عاما)، والمعروف بـ «ساحر شهرزاد»، وأعادت ملف معاملته إلى محكمة التمييز في مكة المكرمة. وزادت المحكمة العامة على تمسكها بحكم القتل، بمصادرة هاتف الساحر والشريحة التي كان يستخدمها لحظة القبض عليه، مبدية عدم اقتناعها برفض هيئة التمييز لحكم القتل ومحاولة استتابته، بداعي أن جميع القرائن والدلائل أثبتت شركه وكفره وتمرسه على أعمال السحر. وأشارت المحكمة العامة في مرفق رفضها لحكم محكمة الاستئناف إلى أن معرفة الساحر بحكم القتل يدفعه لإظهار توبته خوفا من التنفيذ، بينما لا أحد يملك طريقا لمعرفة إخلاصه في التوبة.
تقول "عكاظ" أن القضاة الثلاثة في المحكمة العامة استندوا إلى إطلاق حكم القتل على الساحر، «لتماديه بأعمال السحر، ما جعله أشهر من نار على علم في مجاله، ونشره أعماله الإجرامية منذ سنوات مجاهرا بها أمام ملايين المشاهدين للقناة الفضائية التي يبث عبرها أعماله». واعتبر قضاة المحكمة العامة، السحر والشعوذة «من الأعمال التي فيها فساد وإفساد ما الله به عليم»، وبحسبهم فإن هذا يعتبر مسوغا لحكم القتل ليكون عبرة لغيره، خصوصا مع كثرة وفود السحرة إلى المملكة.
واضافت الجريدة في خبرها أن محكمة الاستئناف اعترضت في 21/12/1430هـ، على حكم القتل تعزيرا، بحجة أن الحكم سابق لأوانه، ويجب استتابته في حال أقر بالعمل المنسوب إليه، فإما يتوب أو يحكم بقتله، كما طالبت الاستئناف بالتثبت من الأفعال التي يؤديها، والتأكد من أنها سحرية شركية كفرية وإثبات ذلك ببينة عادلة أو إقرار. وكان المدعى عليه (ساحر شهرزاد)، قد صادق أمام قضاة المحكمة العامة في المدينة المنورة على ما اعترف به في برنامج يعرض على القناة الرياضية السعودية، من أنه يؤدي أعمال السحر من صرف وعطف وعلاج للمرضى، منذ ثمانية أعوام، مستعينا في تلك الأعمال بالشياطين والجان والطلاسم. وأكد القضاة أنه من شروط تعاون الشياطين «الكفر بالله»، بالإضافة إلى ممارسته السحر عبر القناة الفضائية الشهيرة التي تعرف بقناة شهرزاد، كما اعترف الساحر بأنه كان يفك السحر بالسحر.
نعود لحديثنا ونقول ، لماذ محكمة التمييز تنظر بعين الرأفة لساحر شهر زاد وتطالب المحكمة باستتابته ليفلت من حكم الاعدام المقررة في مثل هذه الحلات ، هل الحكم بالاعدام اصبحت دافعا في حد ذاته لتملس الاعذار الغير شرعية لانقاذ رقبة من قصاص أو تعزير مستحق؟.
فطالما كان الجرم مستحقا الاعدام فليس من حق القاضي ان يفاوت في الاحكام لاي اعتبار مهما كان ، فالشبه في القضيتين من حيث الحيثيات واضح وضوح الشمس ، وان اختلف الحكم المستحق لطرفي القضية تبعا لنوع الجرم وحجمه، فالمجاهر بالجنس ، وبحكم القضاء استحق العقوبة ، ولم تعر محكمة التمييز الاستتابة اهتمامها لينجو المتهم من حكم المحكمة العامة ، وهو الشيء الذي يجب على محكمة التمييز ان تعامل به ساحر شهر زاد والتي اثبتت المحكمة العاملة استحقاقه لعقوبة القتل تعزيرا وتصادق على حكمها بدلا من محاولة انقاذ الساحر من القتل بالاستتابة طالما انه استقر لديها انه مستحق للقتل .
ان هاتين القضيتين وغيرها الكثير من القضايا التي تتشابه فيها الاحكام القضائية رغم تماثلها في الحيثيات ودلائل الاثبات وقرائنه ، يؤكد ان الحاجة الى تقنين الاحكام القضائية باتت مسالة ضرروية.
سليمان عوض الفريدي
بتاريخ [ 12/03/2010 الساعة 11:00 مساءً] بتوقيت السعودية
االتضارب بالاحكام الشرعية موجود بجميع مناطق المملكة
ولكن بالنهاية التي تقرر محكمة التمييز بسبب عدم تقنين القضاء
وانما تقوم على اساس الاجتهاد
تحياتي لك
ابومنصور
بتاريخ [ 13/03/2010 الساعة 12:25 مساءً] بتوقيت السعودية
ليس من اختصاصك ولا من عملك ياظفيري انت وشلة الليبراليين اي اللادينيين امثالك الخوض في امور لستم اهلا لها وليس لديكم خبره فيها ا فقط الرغبه في الاتنقاص من اهل العلم والتطاول على الشرع ،، ثم ان المجاهر بالرذيله صاحبك هذا رذيل هو ومن يدافع عنه مثله يحب الرذيله ويرضاها لاهله ويرغب ان تشيع في مجتمعه ، اما شهرزاد فهي مسموح لها بقرار من عمك المتغرب المنحل زير الثقافه والاعلام ،،
بعدين لابارك الله في الاثنين وكل موضوعك رذيله في رذيله وانت تقول مادام هذا رذيله لماذا لم تعتبروا الاخر رذيله طيب دور موضوع فضيله واخلاق وحقوق ومساواة في المعامله لكل الناس واكتب عنها /، واترك الرذيله
طير القمري
بتاريخ [ 14/03/2010 الساعة 7:23 صباحاً] بتوقيت السعودية
انا اعتقد المجاهرون هم العلمانية يدعون للفساد والتحرر وهم دعاة لجهنم
العلاني
بتاريخ [ 14/03/2010 الساعة 8:28 صباحاً] بتوقيت السعودية
الفرق بينهم ان واحد منهم يثير الزنا والفاحشة بين المسلمين
الثاني وهو الاخطر - يمثل كل انواع الجرم على هذة الارض من الزنا والتفرقة بين الزوج وزوجته والقتل والاجرام والكفر بالله ..... الخ
فالفرق اعتقد انه واضح
نسال الله الثبات على هذا الدين في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن .
الله الله يا اخوان على الثقة بالله وبالنفس وبهذا الدين دين الحق والعفة والاخلاق التي سرنا في هذة الايام نفقدها .
سعد،،
بتاريخ [ 14/03/2010 الساعة 6:58 مساءً] بتوقيت السعودية
- الاخ - محمد الظفيري ...
-اعتقد ان المحاكم السعودية بقضاتها الافاضل لا تحتاج الى مقال كهذا لتبحث عن تقنين ما وسّع فيه الشارع وجعل للاجتهاد واصوله مجالا اراني دون كفاءة الخوض فيه.... واراك ايضا من خلال مقالك دون كفاءة الخوض فيه ...
وفرق بين القضيتين ... واضح ظاهر بين لا يحتاج الى مثل مقالك لان السواد الاعظم من اهل البلاد يعلم بالقاعده الشرعية التي تقول ( إدرءوا الحدود بالشبهات )) فالشرع المطهر يحرص كل الحرص على حفظ الارواح وصونها من كل ما يزهقها حتى وان كان المعني بها شخص مجرم ....
فقط اردت التعليق بهذه النقطه .... واملي ان تبحث عما هو اوسع نفعا في نقد المحاكم والقضاة ... والسلام.
فهاد العنزي
بتاريخ [ 20/03/2010 الساعة 1:47 مساءً] بتوقيت السعودية
على رغم التكتم الشديد من جانب هيئة كبار العلماء على نتائج مداولاتها الأخيرة، في اجتماع استمر أسبوعاً كاملاً في الرياض، إلا أن مصادر وثيقة الصلة بأم الهيئات الدينية في السعودية، كشفت لـ «الحياة» أن الأعضاء أنهوا جلساتهم بإقرار ما يعرف بمشروع «التقنين» الذي بدأ النقاش حوله قبل قرن، في عهد الملك عبدالعزيز، إلا أن الحسم بتأييده من جانب أكابر العلماء تأخر كثيراً، لكنه أتى هذه المرة كأول ثمرة لإعادة هيكلة المؤسسة، وتطعيمها بفقهاء من معظم المشارب الفقهية.
ومع أن الأجواء التي صاحبت إقرار «المشروع» ظلت مجهولة، بسبب طبيعة سرية اجتماعات كبار العلماء، إلا أن التحولات الكبيرة في المجتمع السعودي، والإصلاحات القضائية والدينية التي سبقت انعقاد الهيئة في دورتها الـ 72 كانت كافية للجزم بما سيفضي إليه نقاش حول مشروع من هذا القبيل، يجمع معظم علماء السعودية القريبين من الشأن القضائي حالياً، على ضرورة اعتماده وتفعيله.
غير أن تلك العوامل حتى معها، احتاجت المسألة إلى دورتين لكبار العلماء حتى تحسم. فبحسب المعلومات الواردة من كواليس «الهيئة»، بدأ نقاش التقنين في اجتماعها الذي عقد في آب (أغسطس) الماضي، إلا أن تشعب الآراء حول مسودة القرار، أحوجت أولي الأمر، إلى ترحيله لدورة بعدها، عقدت في نهاية كانون الثاني (يناير) الماضي، إذ كتب فيها العلماء ربما «خاتمة فصول التقنين»، التي بدأت قبل حين من الدهر، على يد فقهاء وخلفاء وأمراء، أبلى كل في ناحيته ما استطاع. لكن مهر «ورثة الأنبياء» القضية بتأشيرة أناملهم «الذهبية» وإن منحها حق اللجوء الفقهي في المشهد المحلي، وأنهى أعقد الخطوات، إلا أنه في رأي الخبراء ليس إلا بداية عمل مضن آخر، يحتاج عقولاً استثنائية، تأتي على الفقه والشريعة ولا تذر، قبل أن تسكب رحيق أفكارها في «وعاء» موسوعي، يكون مثلاً يغني «القضاة» عما سواه أو يكاد، ويسهل مهمتهم في الوصول إلى «الحكم بدليله، وسوابق التقاضي» بسهولة خارقة.
ويرى أحد القضاة البارزين الذين شاركوا في لجان صوغ «مدونة الأحكام»، أن الخطوات التالية ستكون متعددة ومتشعبة، تتطلب تشكيل لجان مكونة من خبراء في اختصاصات فقهية وقضائية عدة، ثم لجان صياغة، تكتب الأحكام المدونة بطريقة محترفة، عبر مراحل مراجعة دقيقة ومضنية.بينما يعتبر المحامي الدكتور محمد المشوح وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى والمحكمة العليا جهات يتوقع أن تنهض بالذي يتلو إقرار كبار العلماء لـ «تدوين الأحكام الفقهية»، والمبادئ والأسس الجامعة للمشروع.
وكانت وزارة العدل بدأت أول عمل للتدوين 2007 عندما أخرجت أول إصدار من «مدونة الأحكام القضائية»، تنفيذاً لقرار سابق من مجلس الوزراء، كلف وزارة العدل بـ «بنشر الأحكام النهائية المختارة الصادرة عن المحاكم بعد تصنيفها وحذف الأسماء منها»، إلا أن «التقنين» المنشود أوسع من ذلك بكثير، إذ يتجاوز أحكام القضاة، إلى آراء الفقهاء في كل المذاهب السنية المعتبرة.
ماذا يفيد التقنين؟
أما الآمال المعقودة بالتقنين الذي انتظره المهتمون عقوداً، فهي بحد ذاتها قصة، كانت مادة جدل مستمر على الساحة السعودية بين المدافعين عن التدوين أو التقنين (معناهما واحد)، والرافضين له منذ أن طرح الموضوع باكراً في عهد الملك عبدالعزيز إلى اليوم.
في ظن الفريق الأول أن حسم أمر التقنين، سيحل مشكلات عدة، أبرزها تناقض الأحكام وتفاوتها، إلى جانب تسهيل مهمة القضاة لاختصار الزمن الشحيح بالنسبة إليهم، مما سيؤثر إيجابياً في مسألة أخرى هي تأخر البت في القضايا المنظورة في المحاكم السعودية، التي تشتكي من نقص القضاة أصلاً، قياساً بعدد السكان.
أبرز رجال هذا الفريق الشيخ عبد المحسن العبيكان الذي أبلغ «الحياة» في اتصال هاتفي أن التقنين «يسهم في إقامة العدل المنشود في قضايا الخصوم، ويسهل مهمة القاضي، ويريحه من المشقة، وإطالة البحث في الوقت الذي يطلب منه سرعة البت في القضايا المعروضة المتراكمة، والتي تزداد يوماً بعد يوم، بل يعالج ما نراه من تضارب في الأحكام الصادرة في موضوع واحد في البلد الواحد، أو ربما في المحكمة الواحدة، إن لم يكن من القاضي الواحد». فيما اعتبر المحامي المشوح التدوين حلاً ناجعاً لكثير من معاناة المؤسسة القضائية اليوم، إذ المتأمل كما يرى في ذلك الميدان «يدرك بجلاء ووضوح ضرورة هذه المدونات المتضمنة للأحكام وفق أقوال أهل الفقه ونوازل القضاء، وباعتقادي أن ذلك سيسهم إلى حد كبير في تقليص التأخر في البت والحكم بالقضايا. كما أنه سيؤدي إلى تضييق ما يسميه البعض بالتناقض أو الخلاف في الأحكام، وإن غاية وحجة المطالبين بعدم تدوين الأحكام هي تلك المساحة الواسعة التي يرغبون في إيجادها للقضاة بالاجتهاد والبحث الفقهي، ولا شك في أن هذا متعذر في هذا الزمن الذي شغل به القضاة في كثرة القضايا والالتزامات الأسرية والاجتماعية مما يتعذر معه وجود وقت كافٍ لذلك البحث العلمي والاجتهاد الذي انقضى».
بل توقع المشوح عند تحويل «التدوين» إلى واقع معاش، أن يسهل ذلك مهمة الخصوم والمحامين سوياً، فباعتقاده «عبر مطالعة المبادئ والأحكام المقننة، يمكن للمحامي إقناع الخصم بما ستؤول إليه قضيته على وجه التقريب، ما سيدفع كثيرين إلى ترك التقاضي ابتداء، وأحياناً يكون العكس صحيحاً. لكن النتيجة في كلتا الحالتين ليست ضبابية بالكلية كما هو معتاد».
في حين استقصى أحد الباحثين المحترفين في جامعة الملك خالد الدكتور عبدالرحمن بن أحمد الجرعي، مسألة «التقنين» عبر العصور، في بحثه «تقنين الأحكام الشرعية بين المانعين والمجيزين»، عبر ستة فصول ناقش فيها أدلة المؤيدين للتقنين والمعترضين عليه، ليخلص هو إلى انتصاره للفريق المؤيد، معللاً ذلك بوجاهة رأي القائلين بجواز التقنين، واقتناعاً منه بأجوبتهم على حجج الرافضين. لكنه أضاف إلى ذلك أسباباً أخرى، بينها كما قال: «ما استجد في واقعنا المعاصر من ظروف تقتضي إعادة النظر في النظام القضائي، ليكون هذا النظام أكثر ضبطاً، ووضوحاً بالنسبة للقاضي أو المتقاضي، وكذلك احتكاك بلدنا ببقة بلدان العالم بخاصة مع الانفتاح العالمي على غيرنا، ما يستدعي كتابة المواد التي يتقاضى إليها. بخاصة أن غيرنا سيطالبنا بها، إذا أردنا أن نقاضيه إلى شرعنا، فلا يمكن أن نحيله إلى مجموعة من كتب الفقه المذهبي أو المقارن، فإن لم يوجد شيء مقنن ومرتب، فإما أن تفوت علينا مصالح لا نستغني عنها، وإما أن نتحاكم إلى قوانين ليست لها علاقة بالشريعة الإسلامية. التقنين وإن لم يسلم من المؤاخذات، إلا أن الأخذ به في هذا الوقت من باب ارتكاب أدنى المفسدتين لدرء أعلاهما».
إلا أن الجرعي نبه إلى جزئية محورية حتى في نظر المطالبين الرسمين بالتقنين، هي أن «التقنين يستلزم الانفتاح على المذاهب الفقهية المعتبرة وآراء المفتين من الصحابة والتابعين، وأخذ أفضل ما في كل منها في كل مسألة بعد النظر والتمحيص في ضوء الأدلة وقواعد الاستنباط، إذ لا يوجد مذهب واحد يحتوي على الراجح في كل مسألة». وعلى هذا الصعيد يعتبر كثيرون أصلاً أن أحد أبرز ثمرات التقنين هذا الانفتاح الذي طالب به الباحث، بحكم منحه المقنن والقاضي على حد سواء هامشاً من المرونة والخيارات، في عصر يستثقل العامة فيه حتى الرخص فما بالك بالعزائم!
حوار بين المؤيدين والمعترضين
في ما يخص المعترضين على «التقنين» باعتباره إجراء محرماً شرعاً، فإنهم أيضاً شريحة كبيرة بين العلماء السعوديين، لكنها أخذت تتناقص مع ذهاب الرعيل الأول الذي رفض المسألة حين طلب رأي كبار العلماء فيها قبل عقود.
وبين المعترضين عليها من المعاصرين المشايخ: صالح بن فوزان الفوزان، وعبدالرحمن العجلان، وعبدالله الغنيمان، وعبدالرحمن بن صالح المحمود، وعبدالرحمن بن سعد الشثري، إلا أن الأهم من أسماء المعترضين تبريراتهم، التي أجاب عنها القائلون بالجواز، ولخص الرأيين الباحث الجرعي في بحثه المشار إليه، عبر نقاط أبرزها: أولاً: الآيات التي توجب الحكم بما أنزل الله ومنها قوله تعالى: «إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله» (النساء: 105) وقوله تعالى: «فأحكم بين الناس بالحق» (ص:26)، فهاتان الآيتان تأمران بالحكم بما أنزل الله وهو الحق، والحق لا يتعين بالراجح من أقوال الفقهاء، لأنه راجح في نظر واضعيه دون سواهم فلا يصح الالتزام به ولا اشتراطه على القضاة عند توليتهم ولا بعدها الراجح حكم بغير ما يعتقد القاضي أنه حكم الله ورسوله فهو حرام ويلزم منه منع الإلزام بالتقنين.
> يمكن أن يجاب عن الاستدلال بالآيات السابقة أنها عامة، وليست في موضوع الإلزام، ويصعب القول إن ما يختاره العلماء من الأقوال الراجحة هو خلاف الحق، أو أننا إذا رجعنا إلى قولهم فإننا نرجع إلى غير كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم-. فمن أين أخذ هؤلاء إذاً؟
ثانياً: قوله صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» ووجه الاستدلال به: أن الحكم المانع من الإثم هو الذي يرى القاضي أنه الحق والرأي الراجح المدون ليس بالضرورة هو رأي الحق في نظر القاضي فإن قضى بخلاف ما عرف أنه الحق أثم ويلزم منه منع الإلزام بالتقنين.
> يجاب عن هذا الاستدلال بما أجيب به عن الاستدلال السابق. ثالثاً: الإجماع على عدم إلزام الناس بقول واحـد وحـملهم عليه. كما نُقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
> يجاب عنه: بأن هذا الإجماع غير مسلّم، لأنه قد وجد من العلماء من قال بخلافه، ثم إن القول بالمنع من الإلزام بقول واحد قول صحيح لو كان جميع القضاة من المجتهدين، أما وقد علمنا أن العدد المطلوب تعيينه من القضاة للفصل بين خصومات الناس يلزم تعيين من لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد – وهم كثير – فيصبح تعينهم جائز للضرورة أو الحاجة، وبالتالي فإن إلزامهم بقول واحد في هذه الحالة أمر سائغ. رابعاً: ان تدوين القول الراجح والإلزام به مخالف لما جرى عليه العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ومن بعدهم من السلف الصالح، وعُرضت هذه الفكرة من قبل إلى جعفر المنصور على الإمام مالك فردها وبين فسادها ولا خير في شيء اعتبر في عهد السلف من المحدثات.
> يمكن أن يجاب عن هذا: أن عدم وجود هذه الفكرة عند السلف لا يعني منعها، فلعل دواعيها لم توجد، ورأي الإمام مالك رحمه الله قد خالفه فيه غيره، ولو لم يخالفه غيره فليس قوله بمجرده حجة. خامساً: ان الصياغة للأحكام الفقهية بأسلوب معين سواء كان من أفراد أو لجان فإنها ستتأثر ببشريتهم، ونسبتها إلى حكم الله ليست دقيقة، بينما صياغة نصوص الشرع ربانية معجزة، ويمكن نسبتها إلى الله فيقال أحكام الله تعالى.
> يجاب عن هذا: بأن التقنين مثله مثل الفقه، فهو لا يخرج عن صياغة فقهية لا أكثر، وما بقي من ترتيب ووضع أرقام متسلسلة، فهو أمر شكلي يسهل الرجوع للأحكام ولا يؤثر في مضمونها. سادساً: التقنين لا يرفع الخلاف في الآراء، وهو من أهم مبررات التقنين، وهذا ما أثبتته تجربة الدول التي دونت الأحكام المعمول بها، إذ يختلف القضاة في تفسير النصوص.
> يجاب عنه: بالتسليم بما ذكروه، لكن التقنين يحد من الاختلاف، وإن لم يرفعه، وهذا هو المطلوب.
سابعاً: أثر التقنين في حركة الفقه عموماً والقضاة خصوصاً، إذ يؤدي إلى تعطيل الثروة الفقهية، لأن عمل القضاة سيرتبط بهذه القوانين شرحاً وتفسيراً، ما يعطل التعامل مع كتب الفقه، ويحجر على القضاة، ويوقف حركة الاجتهاد والنشاط الفكري، لتلبية مطالب الحياة المتغيرة، ومواجهة الأنظمة والأعراف والمعاملات المتجددة.
> أُجيب عن هذا: بأن التقنين ليس فيه حجر كبير على القضاة لأن تدوين الفقه لا يمنع الاجتهاد، والحياة تولد من المستجدات، ما يعطي القاضي المجتهد مجالاً واسعاً في تبني أحكام جديدة لها، ويكفيه أن يجتهد في ملابسات القضية المعروضة عليه، وتعينه على الاجتهاد في القضايا الأخرى اللجان المختصة لوضع القوانين، كما أن للأحكام المقننة مذكرات إيضاحية وشروحاً، ولا يستغني واضعو هذه المذكرات والشروح عن كتب الفقه، ويظهر لي والله أعلم أن التقنين فيه كثير من التضييق على القضاة المجتهدين وتأطير لهم، ليكون عملهم ضمن مواد التقنين، لكن إنزال هذه المواد على القضايا المعروضة عليه فيه نوع من الاجتهاد، مع ملاحظة قلة المجتهدين في قضاة اليوم. ثامناً: أن كلمة «تقنين» يخشى منها أن تكون طريقاً لإحلال القوانين الوضعية مكان الشريعة الإسلامية، فيكون التشابه في الاسم أولاً، ثم المضمون ثانياً، عياذاً بالله. فمنع هذه التسمية واجب من باب الحذر.
> يجاب: بأن هذه التسمية «كالتقنين» ونحوه مواصفات واصطلاحات المراد منها مفهوم ومعلوم للجميع، ولا مشاحة في الاصطلاح، والتخوف من المصطلح لإشكاليته أو مشكلاته يمكن أن يحل بإيجاد مصطلح مناسب.
وما يذكر من أن التقنين خطوة إلى إلغاء الشريعة الإسلامية والاستدلال بعمل بعض الدول التي دونت الراجح من أقوال المذهب الذي تنتسب إليه في مواد، ثم ألزمت بالعمل به في محاكمها، ثم ألغت الشريعة مطلقاً، فهذا مردود بأن تلك الدولة لم يقتصر تنكرها للدين على السلك القضائي في المحاكم، وإنما نفضت يدها من الدين مطلقاً، وانتقلت إلى دولة علمانية، وكثير من الدول الإسلامية لم يكن القضاء عندها مقنناً، بل كانت تحكم بالراجح من مذهب إمام من أئمة المسلمين، فكان منها عياذاً بالله أن ألغت العمل بالشريعة الإسلامية، وأخذت بقوانين أوروبا، فليس التدوين (التقنين) وسيلة إلى تحقق ما بدت المخاوف منه. تاسعاً: أن الأحكام الشرعية المقننة إذا ما عدّلت - وهذا من طبيعة كل عمل بشري - فإنها تؤدي إلى زعزعة الثقة بأحكام الشريعة الإسلامية، وكثرة التعديلات التي تجرى على القوانين تبعدها عن أصلها الشرعي كما هو مشاهد في قوانين الأحوال الشخصية.
> أجيب عن هذا: بأن القاضي غير ملزم بالبقاء على اجتهاده الأول إذا صح لديه الدليل باجتهاده الجديد، ومنعه - في هذه الحال - يؤدي إلى المنع من الأخذ بالدليل، ولا يقول به أحد والتقنين مثله، كما أن القول بعدم تعديل القوانين إذا ظهرت المصلحة في تعديلها، بناقض بناء الإسلام على رعاية مصالح الناس، وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان. http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/120452