سعوديون - الرياض (ضفاف الخيال)
تشهد السعودية في السنوات الاخيرة تنامي وبروز الانتماءات القبلية والمناطقية بشكل يخشى منه أن يؤثرعلى الهوية الوطنية والاستقرار الاجتماعي ، وقد ارجع متخصصون أن مرد ذلك يعود الى إلى فشل مؤسسات المجتمع المدني الوليدة في القيام بدورها في تعزيز الانتماء الوطني وتحقيق الأمان النفسي لأعضائها مما أدى إلى لجوء الإفراد إلى الروابط الاجتماعية التقليدية مثل القبيلة والطائفة في ظل أوضاع استقطابات متوترة تعيشها المنطقة العربية وما حولها.
وقد تطرقت جريدة الوطن السعودية الى هذه القضية وأعدت تقريرا اشتمل على الاراء المختلفة حول الانتماء القبلي والمناطقي وآثارها السلبية على الهوية الوطنية .. ونظر لأهمية الموضوع ولما اشتمل عليه من أطروحات جادة فاننا نضع هذا التقرير بين أيكم بدون تدخل منا.
تقرير الوطن
حذر مختصون وخبراء من الآثار السلبية لبروز الانتماءات القبلية والمناطقية على الهوية الوطنية والاستقرار الاجتماعي مرجعين تصاعد موجة الانتماءات الضيقة في السنوات الأخيرة، وانعكاسها بشكل جلي في وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، إلى فشل مؤسسات المجتمع المدني الوليدة في القيام بدورها في تعزيز الانتماء الوطني وتحقيق الأمان النفسي لأعضائها مما أدى إلى لجوء الإفراد إلى الروابط الاجتماعية التقليدية مثل القبيلة والطائفة في ظل أوضاع استقطابات متوترة تعيشها المنطقة العربية وما حولها.
"الوطن" التقت بعدد من المهتمين بالشأن الاجتماعي من الإعلاميين والأكاديميين والممارسين للعمل في مؤسسات المجتمع المدني في محاولة لإلقاء الضوء على مكامن الخلل في مؤسسات المجتمع المدني والمعوقات التي وقفت دون قيام هذه الهيئات والجمعيات بدورها في تعزيز الهوية الوطنية للوقوف في وجه المد القبلي والطائفي وما يحمله من أوجه عنصرية وانتماءات ضيقة.
مؤسسات مستقلة
في البداية تحدث المحامي خالد المطيري عن المدلول القانوني للمجتمع المدني قائلا: تعرّف مؤسسات المجتمع المدني بأنها المؤسسات غير الحكوميّة المستقلّة التي تمثل كافة أطياف وشرائح وطبقات المجتمع وتعمل على حماية الحقوق وإدارتها وتؤطر علاقات الناس بشكل قانوني، وأنشطة مؤسسات المجتمع المدني تدور فكرتها الرئيسية حول توفير ما ينقص من الخدمات التي تقدمها الحكومة وحماية مصالح الناس, وتتنوع أنشطتها من تقديم الأموال للفقراء بواسطة الجمعيات الخيرية وحماية طبقة عاملة معيّنة مثل النقابات وتقديم خدمات ثقافية واجتماعية ومهنية معينة.
مؤسسات ضعيفة
كما تحدث رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود وعضو الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان الدكتور صالح الخثلان قائلا إن مؤسسات المجتمع المدني تعمل بشكل مستقل كجمعيات تطوعية وتكون وسيطاً بين الأفراد وبين الدولة وهي موجودة بعدد كبير في المملكة لكنها بشكل عام ضعيفة، فمثلا الجمعيات الخيرية منتشرة في مختلف المناطق ودورها لا يتعدى العمل الخيري لأن القائمين على هذه الجمعيات غير مدركين للوظائف الأخرى التي تتمثل في تعزيز حس المواطنة، فمؤسسات المجتمع المدني تنقل الإنسان من هذه الولاءات الضيقة مثل المناطقية والقبلية والطائفية إلى ولاء أكبر هو الولاء للوطن بشكل عام.
ويقسم الكاتب الدكتور عبد الرحمن الحبيب مؤسسات المجتمع المدني في السعودية إلى ثلاثة مستويات: الأول هو مستوى الرؤية وتوجه القيادة والنخب والدعوات الإصلاحية لتشجيع إنشاء مؤسسات المجتمع المدني، والثاني مستوى التشريعات وهناك نظام الجمعيات بصدد الظهور قريباً بعد إقراره من مجلس الوزراء، وهو نظام جيد بشكل عام رغم الثغرات في مرونة تأسيس الجمعيات وفي درجة استقلاليتها، الثالث وهو المعيار الوظيفي أو التطبيق على أرض الواقع، والذي يظهر متواضعاً أمام المفترض والمأمول.
ويستطر الحبيب قائلا: وضع المجتمع المدني في دول الخليج ومنها السعودية متأخر جدا من ناحية العدد والنوعية والصلاحيات والنضج المؤسسي اجتماعيا وثقافيا مقارنة مع دول عربية مثل مصر التي تعتبر رائدة في هذا المجال حيث بدأت فيها تلك المؤسسات منذ أواخر القرن التاسع عشر، ومع منتصف القرن العشرين ظهرت أغلب النقابات: المحامين، العمال، الأطباء، الصحفيين، المهندسين المعلمين.. وغيرها ولو أخذنا اتحاد العمال فهو يشمل 22 اتحادا ويضم نحو 4 ملايين عضو، فيما تتفاوت الدول المجاورة في مستوى تطور مؤسساتها الاجتماعية الحديثة، وباستثناء مصر تقع بقية الدول العربية في الوسط.
في حين يرى الكاتب في صحيفة الحياة عبدالعزيز السويد أنه لا مجال للمقارنة مع دول أخرى لأن المؤسسات المدنية في السعودية ما زالت ناشئة ولم تكتمل حلقاتها بعد، والتجربة مازالت وليدة من هنا لا يمكن المقارنة بين تجربة في المهد وتجارب في دول شقيقة مجاورة خطت خطوات واسعة في هذا المجال، وهذه المؤسسات ليست غاية بحد ذاتها بل وسيلة للرقي بالمجتمع وتحسين الإنتاجية فيه ومراقبة ما يحتاج للمراقبة في إطار صهره في بوتقة وطنية والانتقال إلى المجتمع المدني يحتاج إلى أمور أخرى متعددة ومترابطة مع بعضها البعض، تضاف لمنظومة المؤسسات المكتملة، أبرزها الوعي بالأدوار، لذلك لابد من خطط واضحة المعالم بعيدة الأثر والمدى لتوعية أفراد المجتمع بحقوقهم بحيث يعرفونها حق المعرفة، وبالواجبات التي تقع عليهم تجاه المجتمع والوطن.
خلل وضعف
وجاء رأي مدير عام الشؤون القانونية بوزارة العمل محمد بن سليمان الدويش مختلفاً، إذا قال إن سبب ضعف مؤسسات المجتمع المدني يرجع إلى سيطرة تيار ما يسمى بالصحوة على المجتمع خلال العقود الماضية وما نتج عن ذلك من خلل وضعف في المؤسسات المدنية التي نشأت في هذه الأجواء مما أدى لخنق أنشطتها وبرامج عملها، محملاً المثقفين والمتعلمين وأعضاء الأندية الأدبية في الجيل الذي عايش تلك الفترة المسؤولية عن هذه النتائج إذا كانوا على حد قوله سلبيين ولم يستطيعوا أن ينشطوا المؤسسات المدنية إلى أن تحولت إلى مسميات خاوية لا تمارس نشاطاً حقيقياً مما أدى إلى ضعف الانتماء إلى مثل هذه المؤسسات والجمعيات مما انعكس على نشاطها ودورها في المجتمع.
دور محدود
وهنا يقول الدكتور صالح الخثلان إن الجمعيات الموجودة حالياً لم تأخذ دور المجتمع المدني بشكل كامل نتيجة لعدم إدراكها لهذا الدور بالإضافة إلى وجود عوائق، أهمها عدم وجود تنظيم أو تشريع واضح ينظم عمل مؤسسات المجتمع المدني، وهناك نظام جديد للجمعيات والمؤسسات الأهلية لم ير النور بعد حيث خرج من مجلس الشورى ولكنه مازال منظور في مجلس الوزراء، وأتوقع في حالة صدور هذا النظام أن يحدث نقلة في المؤسسات الحالية وينقلها من مجرد جمعيات تقوم بوظائف محددة إلى أن تصبح مؤسسات مجتمع مدني بشكل حقيقي تلعب الدور الأكبر المتوقع منها في تعزيز المواطنة لتكون ضمانة ضد هذه التوجهات الإقليمية والقبلية والطائفية.
ويضيف: ما يوجد حاليا في المجتمع أغلبها جمعيات خيرية تقوم بوظائف محددة ولا تمارس دورها كمؤسسات مجتمع مدني، والناس غير ملامين لأن المجتمع تغير نتيجة للطفرة التنموية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهناك مستوى كبير من التحضر، وفي ظل وضع جديد لم توجد مؤسسات بديلة تجعل المواطن يشعر بالأمان ويشعر بالانتماء الذي فقده بعد انتقاله من معيشة الريف وخروجه من مظلة القبيلة فيشعر بالضياع ويعيش حالة من القلق الاجتماعي أدى به إلى إعادة إحياء المؤسسات التقليدية لتعوضه وتعيد له حالة الانتماء والارتياح وتخفف حالة القلق التي يعيشها في المجتمع الحديث.
المؤسسات القديمة
ويتفق معه الكاتب الدكتور عبد الرحمن الحبيب، مؤكدا ضعف المؤسسات المدنية والرسمية وغيرهما مما يعني منطقيا اللجوء للمؤسسات القديمة أو إلى قيمها حتى لو كان كثير من قيمها منتهي الصلاحية، فالناس في وقت ما يلجؤون لما اعتادوا عليه وما ألفوه من تجارب قديمة، ونرى مثال ذلك في بعض الدول المجاورة من عودة لروح المؤسسة القديمة (الطائفية، القبلية، المناطقية) التي ظن البعض أنها ماتت.. ومن نافلة القول ذكر مخاطر إحياء تلك المؤسسات من رفاتها.. هذا لا يمنع أن هناك هويات جزئية إيجابية تنضوي تحت لواء الوطن باعتباره مظلة للجميع وهوية واحدة موحدة لهم.
المخاطر
ويعود مدير عام الشؤون القانونية بوزارة العمل محمد الدويش للتأكيد على أن المؤسسات المدنية كانت ضعيفة إلى الحد الذي لم تستطع معه أن تواجه ما سمي بتيار الصحوة في الماضي ومع بدء تفكك الصحوة في السنوات الأخيرة أدى ذلك إلى فراغ مما أدى إلى بروز أنصار القبيلة والفئوية ومحاولتهم سد هذا الفراغ من خلال الاهتمام بالشعر الشعبي والرموز القبلية والمناطقية والطائفية في ظل غياب دور المجتمع المدني الحقيقي، وهذا الحال يهدد وحدة المجتمع ويؤثر في مقياس الكفاءة في تولي الوظائف - على سبيل المثال - مما يؤدي إلى اختلال يهدد الاستقرار والعدالة في المجتمع.
ويرى الخثلان هنا أنه لمواجهة هذه المخاطر لابد من تعزيز مؤسسات المجتمع المدني لتسحب البساط من هذه الروابط القديمة وتعيد المواطن إلى الانتماء الحقيقي إلى الوطن، في وقت يخضع القائمون على هذه التجمعات إلى المزيد من الرقابة حتى لا يستغلوا مثل هذه التوجهات في أمور تهدد استقرار البلد مثل الانخراط في مشاريع سياسية معادية أو ما شابه.
إعلام قبلي
ويقول المحامي خالد المطيري إن بعض القائمين على الإعلام استغلوا غياب المؤسسات المدنية الطبيعية وحولوها إلى فرصة للكسب عن طريق تغذية الشعور القبلي والتفاخر بين القبائل برسائل الـ sms على سبيل المثال وهذا يشكل على المدى القريب والبعيد خطراً كبيراً على السلم والاستقرار.
ويرى الخثلان أن الإنسان بطبيعته ينتمي لقبيلته ولمنطقته لكن الانتماء للوطن هو الأسمى إلا أن بعض وسائل الإعلام يمكن أن تبث رسائل تتعارض مع الانتماء الأساسي، إذن فالمشكلة في الرسالة التي تبث من خلال هذه القنوات الإعلامية التي يمكن أن توظف لمصالح خاصة وتفسر الأحداث بشكل يحمل رسائل للشحن والتعبئة للجماهير يمكن أن تكون محصلته في النهاية ضد الدولة والوطن.
فيما كان للدكتور الحبيب هنا رأي مختلف إذ يقول: عندما لا تستطيع المؤسسة حماية أعضائها أو عندما لا توجد مؤسسة مهنية لحماية مصالح أعضائها من أي خلل يحدث في الأنظمة أو تطبيقها، فإن أفراد المجتمع يلجؤون إلى مؤسساتهم التقليدية، فهم لا يعرفون غيرها.. والإعلام هنا مجرد ناقل لهذه الحالة، وربما يكون نقله سلبياً في ظل أوضاع استقطابات متوترة تعيشها المنطقة العربية وما حولها، فهذه الانتماءات الضيقة موجودة منذ قرون، وما دور وسائل الاتصال الحديثة إلا إظهارها للعلن فقط.. أما تعزيزها فهو نتيجة مجموعة من العوامل كضعف المؤسسات الحديثة ومشاريع التنمية وحدة الاستقطابات الطائفية والقبلية في العالم العربي.
توظيف إيجابي
ويرى السويد أن "القبلية والمناطقية يمكن توظيفها إيجابيا إذا ما أحسنت إدارتها، وإذا ما نظر إليها على أنها عامل إيجابي ومساعد وتم التعامل معها على هذا الأساس فإنه بالإمكان الاستفادة منها، المهم ألا نصورها "بعبعا" وأيضا لا نسمح باستخدامها للتفاخر والتعالي أو للتقليل من قيمة أحد والنظرة الدونية له.
ويستطرد السويد قائلا: لا يمكن الآن الرقابة على وسائل الإعلام أو وسائل الاتصال، إلا أن هناك مسؤولية اجتماعية ووطنية على الكيانات الاقتصادية الكبيرة، والمؤسسات الإعلامية بحيث تترفع عن تغذية المناطقية والقبلية، لأنها سوسة تنخر في الوحدة الوطنية، والركون إلى ذلك، بسبب التكالب المادي من مؤسسات إعلامية وقنوات فضائية وخدمات جوال وغيرها قد لا يحقق النتائج المرجوة لذا لابد من تحصين الفرد وهذا الدور يجب أن تضطلع به وتقوده الجهات الحكومية وتكمل حلقاته المؤسسات المدنية الناشئة، التي تحتاج إلى الدعم والخطط الطموحة".
معوقات التطوير
ويرى الدكتور الحبيب أن أهم المعوقات حالياً هي التنظيمية التشريعية فالموجود لا يتطرق إلا إلى الجمعيات الخيرية فقط وهي جزء يسير من مؤسسات المجتمع المدني المفترضة.. والنظام الجديد الذي لم يعتمد بعد لا يستخدم مصطلح مدني بل أهلي مما يشير إلى نوع من التحفظ على الدعم المفتوح لهذه المؤسسات.. ومن المعوقات الأخرى نجد مسالة تفسير الأنظمة واللوائح التي تحكم عمل تلك المؤسسات فهناك تفسيرات متشددة تمنع حركة وفعالية هذه المؤسسات، ونحن نحتاج إلى تفسيرات مرنة ومنفتحة تمنح المؤسسات مزيدا من الفاعلية.. كما أن هناك عدم نضج مؤسسي في الكفاءة في العمل التنظيمي والتطوعي في مجتمعنا التقليدي، سواء من ناحية الفلسفة ورسم السياسات والاستراتيجيات وبرامج التنفيذ، أو في التطبيق والتواصل مع أفراد المجتمع.
النظام الجديد
ويقول الخثلان إن مشروع نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية يفترض أن يتيح الفرصة والمجال لظهور نقابات وجمعيات يمكن أن تعالج الانتماءات القبلية والطائفية وتجمع أبناء البلد من جميع القبائل والمناطق وبالتالي نحقق انتماء للوطن أكثر من الانتماء للقبيلة، لذلك لا داعي للتحسس كثيرا من مشروع المؤسسات والجمعيات الأهلية المدنية ولابد أن ندرك المزايا الكبيرة التي يمكن أن تحققها لنا مثل هذه المؤسسات التي تتمثل في تعزيز المواطنة.
ويطرح الدكتور الحبيب عددا من الحلول لتطور هذا القطاع الحيوي أهمها وضع أنظمة واضحة ومرنة، وتخفيف حدة الرقابة على المؤسسات - عدا الرقابة المالية - ومنحها الاستقلالية الكافية لتفعيل نشاطها.. والسماح بكافة أنواع المؤسسات المهنية "النقابات والاتحادات".. ومن المهم تدريب وتثقيف الناشطين والمتطوعين والأعضاء والمهتمين في العمل المؤسسي المدني، وتوعية المجتمع بالدور الكبير والهام لهذه المؤسسات باعتبارها مكملةً لعمل الدولة وداعمة للاستقرار الاجتماعي والجبهة الداخلية.